أسعد السحمراني
77
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
يفعله . وإنما لا بدّ بجانب العلم بالفضيلة أن يؤمن الإنسان بها ويزيل العقبات التي تعترضها كالبيئة الفاسدة والقدوة السيّئة . فالفضيلة إذن ليست علما » « 1 » فحسب بل لا بد لهذا العلم بحقيقة العلاقة بين النفس والجسد ، أن يقترن بمعرفة موقع كلّ منهما حيال الآخر ، وإعطائه دوره الذي أعدّته له الطبيعة . لأنه عندما يجتمع النفس والجسد ، فإن الطبيعة تفرض على هذا الأخير العبودية والطاعة ، وعلى الأولى الأمر والسيادة . إن تحقيق الفضيلة يكون بإخضاع الجسد لسيادة النفس وأوامرها ، أما إذا تمّ العكس فأخضعت النفس لنزوات البدن ، فإن ذلك يؤدي إلى انتشار الفساد وتعميم الرذيلة . فمن أراد نصيبا من الفضيلة في هذه الحياة ، ما عليه إلّا اعتماد الفكر الملزم للحسّ ، والنفس المتسلّطة على البدن بما تمتلك من حكمة « 2 » . إن هذه الحال من السلوك لن يتوصّل إليها إلّا القلّة ممن سلكوا طريق الفلسفة ، وعرفوا كنه حياة الإنسان ، وعلموا أن الحياة الأخرى في عالم الحقائق بالذات والآلهة هي الهدف ، وفي ذلك تحرير للنفس ، ولذا فإن « نفس الفيلسوف الحقّ تفكّر بأنه يجب عليها ألا تعارض تحريرها ، وهكذا تنأى عن الملذات كما تنأى عن الرغبات والآلام والمخاوف بقدر ما لديها من قوة » « 3 » . الفضيلة عند أفلاطون هي - كما اتضح - زهد تتساوى فيه بنظر الإنسان الملذّات والآلام ، فالتخلّص منهما هو السبيل إلى السعادة . وحياة الزهد والنسك هذه قد يحياها أناس ليسوا من الحكماء والفلاسفة ، وهم طيّبون ، قد طهّروا أنفسهم من الانحدار إلى عالم الحسّ والشهوة ، وهؤلاء حكما لهم فضل في الحياة أرقى بكثير ممن أخضعوا النفس للبدن ، ولكنهم مع ذلك لا يبلغون مكانة الفلاسفة .
--> ( 1 ) التكريتي ، د . ناجي ، م . س ، ص 59 . ( 2 ) أفلاطون ، فيدون ، م . س ، ص 60 . ( 3 ) أفلاطون ، فيدون ، م . س ، ص 65 .